أحمد بن محمود السيواسي

326

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 8 ] أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 8 ) ثم قال لنبيه عليه السّلام ( أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) من هذين الفريقين كأبي جهل ، أي لبس عليه وسلب تمييزه لكونه مغلوب العقل بوسوسة الشيطان ( فَرَآهُ حَسَناً ) أي جميعا ، وجوابه محذوف وهو كمن هداه اللّه لدلالة قوله ( فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) وقيل : الجواب ذهبت نفسك عليه حسرة لدلالة قوله « 1 » ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) وهي مفعول له ، أي للحسرات ، و « عَلَيْهِمْ » متعلق ب « تَذْهَبْ » لا ب « حَسَراتٍ » ، لأن صلة المصدر لا يتقدم عليه ، والمعنى : لا تهلك نفسك غما بعد غم عليهم بتركهم الإيمان أو بهلاكهم في العذاب ، قوله ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) [ 8 ] وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 9 ] وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ ) أي تهيج ( سَحاباً ) لإنزال المطر ، وإنما قال « فَتُثِيرُ » على المضارعة ليحكى الحال التي يقع فيها إثارة الرياح السحاب للدلالة على القدرة الربانية بالصورة الحاضرة ( فَسُقْناهُ ) أي نسوقه ( إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ ) أي صيرناها خضراء بالنبات ( بَعْدَ مَوْتِها ) أي بعد « 2 » يبسها ( كَذلِكَ النُّشُورُ ) [ 9 ] أي خروجكم من القبور مثل خروج النبات من الأرض من غير عسر علينا ، روي : أنه تعالى يحيي الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال ، تنبت به أجساد الخلق عند النفخة الثانية كما ينبت الأرض من الندى « 3 » . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 10 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 ) ونزل حين كان الكفار يتعززون بأصنامهم أو المنافقون كانوا يتعززون بالمشركين قوله « 4 » ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ) فليطلبها من اللّه من يطلبها وذلك بالإيمان والعمل الصالح ، قوله ( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) وضع موضع الجواب استغناء به عنه لدلالته عليه ، لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) وهو قول لا إله إلا اللّه ( وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) أي يرفع الكلم الطيب فكان التوحيد انما قبل بسبب الطاعة ، إذ التوحيد مع العصيان لا ينفع ، أي لا يمنع من العقاب ، وقيل : « الْكَلِمُ الطَّيِّبُ » يرفع العمل الصالح ، لأن الطاعة لا تقبل إلا بالتوحيد « 5 » ، وقيل : « الْكَلِمُ الطَّيِّبُ » كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل ودعاء واستغفار وتلاوة القرآن « 6 » ، وقيل : قول الرجل سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجة الرحمن ، فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه « 7 » ، والمراد من « الْعَمَلُ الصَّالِحُ » فرائض اللّه فمن ذكره ولم يؤد فرائضه رد كلامه ( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ) نصب بأنه صفة للمصدر المنصوب ، أي المكرات السيئات لأن يمكر لازم ( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) هنا وثم ، والمراد مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة بمكره صلّى اللّه عليه وسلّم بإحدى ثلاث مكرات إما بقتله أو باخراجه أو باثباته وهو الجرح بجراحة لا يتحرك « 8 » معها ( وَمَكْرُ

--> ( 1 ) هذا الرأي منقول عن البغوي ، 4 / 518 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 78 . ( 2 ) بعد ، و : - ح ي . ( 3 ) هذا الرأي منقول عن الكشاف ، 5 / 78 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 82 . ( 4 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 5 / 78 . ( 5 ) اختصره المؤلف من البغوي ، 4 / 520 . ( 6 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 79 . ( 7 ) هذه الأقوال منقولة عن الكشاف ، 5 / 79 . ( 8 ) يتحرك ، و : يتحركها ، ح ي .